Posted on 2024

image.png

⋆.˚🦋༘⋆

فلسفة ليلية أثناء محاولة تنويم فارس..

ألاحظ.. أن مفهوم السعة والرحابة قد يناقض معناه في مواضع معينة، أو لأقول أن "السعة نسبية" ومختلفة أحيانًا. مثلاً: الجوال متسع بالمعلومات والاتصالات والناس وكل ماقد يحتاجه الإنسان، لكن هذه السعة تضيّق مدى الحياة اليومية، تقبض الساعات وتحبسها عنك، وعندما تبحث عنها تجدها مسروقة.

في نظرية الأوتار تطرق العلماء الى احتمالية وجود أبعاد أخرى غير المكان والزمان، وأقول بأفكار خاطفة أليس الإنترنت هو أحدها؟ حيث ترى من خلاله كل التاريخ، ذاكرة جمة المعارف والأسرار، ثقب يحوي الشرور والسرور، يسرق وقتك وروحك وشغفك، أو يصنع هواياتك ويطور لغاتك ومعلوماتك، قد يفسد صِلاتك بالغير أو يوطّدها، يريك العالم من حيث تقف، ويختصر طريقك نحو الرذائل، لأن من خلاله؛ أًصبحت الهويات مخفية، وفي الخفاء تنطلق الشياطين من مضاجعها.

إنه أمر نسبي كليًا، شره وخيره بيد المرء، متى ما استخدمه في خير فهو في صالحه، أو استخدمه في شرّ فسيعود عليه.

هذا العالم الافتراضي بدعة من بدع الحياة التي تفرضها على كل حقبة زمنية بمختلف ما تُخرجهُ لهم، فهذا الإنترنت لم يحتاجه الإنسان قبل مئة سنة أو مئتين، وكأننا اختراعناه لنوهم أنفسنا بأننا نحتاجه ولا نطيق العيش بدونه. لكنها سنة الدنيا وتطوراتها، وقد نستدرك أنها تطورات نصنعنا بأنفسنا لنهلك أنفسنا بها. المشاعر والأحاسيس قبل الإنترنت كانت "واسعة" الشوق والشغف، غائرة العمق وقوية النبض، لأنك عندما تشتاق لشخص بعيد فأنت مضطر لأن تنتظره، وتصبر على فراقه، وكلما طالت المدة توطدت الخوالج وتضخم الشعور وزاد التمني، وعندما تلقاه تكون تلك السعادة ألذّ مايمكن استشعاره، وكأن العلاقة متوهجة دائمًا وآمنة من احتمال التفكك، لا تراه كل يوم وبهذا لن تكشف الأيام مساوئ النفس وتردي هذه المحبة وتخمدها.

بالعودة إلى موضوعنا الأساسي؛ كذلك الأمر في سعة البيت، من منظور آخر، يرى بعضهم أن البيت يورث الكآبة ويجدد الحزن باستمرار، ويضّيق حدود الدنيا ويغلقها على الإنسان. والحياة في الخارج تربّي الفرد وتصنع عالمه ومجتمعه، فسيحة لمدى التسوق والسفر و الذهاب والإياب والرفاهية بشتى أنواعها، وكأن البيت لا يصنع هذا مطلقًا ويمنع الإنسان منه. وآخر يرى أن البيت هو عالمه ومدرسته وسفره، مهما تقلص المكان، فالسر في النفس وليس بما حولها. في البيت مهجع دافئ وراحة مستمرة من غثاء المجتمع والإزعاج الذي تصده النافذة، سعة محصورة في كوب شاي وطقوس روتينية تصنع كينونة الفرد بمختلف اشكالها، هوايات ومشاهد وقراءات وطعام. هذا عالم مستورُ بحد ذاته.

تقول جدتي:" إذا ضاقت النفس ضاق معها كل شيء، واذا اتسع معها كل شيء" قالتها أثناء فضفضة نتبادلها أثناء تحضير العشاء في المطبخ، قالتها بعفوية ومتأكدة أنها بالكاد تتذكرها، لكنها كلمات ظلت ترنّ في ذهني وقلبي بين الحين والآخر.

وقد صدَقت، وتعقيبًا لكلامها أقول: واسع الفؤاد والبال لا يشقى مع أحد، تراه مرتاحًا مع شتى أنواعا الناس، لأنه يرى أن الشر واحد والخير متعدد، ويسلك أطيب مسلك مهما كان سوء من أمامه، أو سوء أيامه، لا يزيد الأسى على نفسه لكنه يقلبه لصالحه، يبعث الخير من براثن الشر، ويجتهد في الإصلاح ماستطاعه، لأنه لو جعل للمساوئ فرصة لتحكمت في طباعه شيئاً فشيئاً.

السعة هي صفة من صفات التأني والهوادة، تُرى في ملامح الصابرين والحالمين، صفة الطبيعة على حقيقتها دون تلويث البشر، صفة الغروب، ومرور السحاب، ونمو النبات، وكل ما يستدعي ختامًا طيباً، ونتيجة حسنة.. سعة في امتداد الزمن، وتكاثر العائلة، وكثرة الإنجازات والنجاحات. السعة سبيل الراحة في ظل الكدَر،