في مستهل الحديث، كنت من المهووسين بالمحقق كونان في الصغر، و”كونان” كان لقبي بين أطفال عماتي وأعمامي،
كان تلقيبهم من المباهج السمعية الصغيرة التي حظيت بها في كل أوان ينادونني به، يتلفظونها سخرية بينما تنعكس عليّ مديحًا.
لا زلت أحب هذا العمل حتى الآن لكن بتدفق هادئ مغاير عما اعتدت تجاهه، ففي ذلك الوقت كنت بالفعل سأغرق في لجة الهوس لولا اللحظة التي بدات فيها بمشاهدة ون بيس حتى تضاءل هوسي وآض إلى ماهو عليه الآن، لكنه لا زال يتألق في رتبته القديمة الشجية داخل القلب، فإنمي المحقق كونان وبلا أي مبالغة كان من أسباب نضجي في الصغر وشغفي بالعلم، ولم ألاحظ تفتحًا في ادراكي إلا عندما أشاهد حلقاته.
سأسرد في هذا الإنطباع أراء شخصية تجاه هذا الفيلم وبعض الحقائق التي تستند عليه أو استند عليها، اختلاف الملحوظات والمحبوبات سيكون واردًا..
فيلم “خيال شارع بيكر” هو ببساطة انعكاس واضح لأوياما – سينسي الهائم في فضاءات الأحجية البوليسية القديمة، كاتب من النسل الروائي لكونان دويل وأقاثا كريستي، الذي أيقظ اسميهما من سكون الكتاب إلى حيوية الصورة، وجذب إليهما الأطفال و المراهقين والكبار على حد سواء، بل بلغ من المهارة ما خوله أن يمحي الرتابة في الأحداث، وأضفى إليها عنصر التشويق الفذ وتربية عقلية فيما يخص الإستدلال والتحليل، فلا ترى مللًا يعتريك حين تشاهد تفاصيل جرائم امتدت إلى 1000 حلقة طوال 27 سنة منصرمة ورائعة ومليئة بالمعلومات والذكريات.
فكرة هذا الفيلم أو هذه الأيقونة الرائعة المتعرشة في الذاكرة تتناول التاريخ كنقطة أساسية تتفرع منها عدة دلالات جميعها متسلسلة داخل أحداث الفيلم، ولعل أكثر ميزة تحلى بها هو الربط بين الخيال والواقع بصورة مدموجة وربما غير ملحوظة بالنسبة لمن لا يملك اطلاع مسبق على تاريخ شخصيات القصة – مثلي عندما شاهدته وأنا طفلة – لكن في كل مرة أعيد مشاهدة الفيلم تتضح لي التفاصيل المتوارية وراء المجريات والأسباب، جميل شعور الإدراك وتصيد التلميحات.
إذًا ماهي هذه الدلالات وكيف تسلسلت؟
الفكرة الواقعية
الجزء الأكبر من القصة يتحدث عن المغامرة الإفتراضية التي خاضها كونان وأصدقاؤه في لندن القرن التاسع عشر داخل العبة “كوكون”، ولعل فكرة تصادم عالم المحقق كونان وعالم آرثر دويل عبر لعبة افتراضية كانت الأطروحة الأمثل لو الأكثر منطقية – نسبيًا – لتحقيق هذا اللقاء الجميل بين الشخصيات التاريخية، لقاء محسوب ومفعم بمشاعر وموهبة أوياما – سينسي أولًا ثم ولع بطله الصغير كونان بشيرلوك هولمز، حيث لم يكن السبب الوحيد الذي جعل كونان يدخل اللعبة هو فقط اعتقاده بأن حل الجريمة يكمن فيها، بل لأن قدوته الكبرى تنتظره هناك في أكثر الأزمنة تشويقًا وإثارة.
يبدأ الفيلم بنبذة سريعة عن “هيروكي سوادا” طالب في سن العاشرة، تبناه “توماس شندلر” أو ما يلقب بإمبراطور الصناعات التنكنولوجية، انشأ هيروكي برنامج تعقب للحمض النوي تحت رعاية شركة “شندلر” وبعدها بفترة وجيزة اخترع العقل الإلكتروني الذكي “فلك نوح” الذي ينمو بمقدار خمس سنوات خلال سنة، وسمّاه بهذا احتضانًا لفكرة تنقية المجتمع من جديد، حيث يستند الإسم على قصة النبي نوح عليه السلام حين أنقذ الجنس البشري من الطوفان عبر الفلك العظيم.




بما أن هيروكي كان وحيدًا تمامًا بل أشبه بمحروم من بدء العلاقات مع الآخرين فقد زرع جميع أفكاره ونياته ومعلوماته داخل نظام “فلك نوح” واعتبره صديقه الوحيد طوال مدة معيشته، ذلك أنه كان يعمل عليه كل الوقت تحت ضغط والده في التبني واجباره له وحبسه داخل غرفة خاصة ومراقبة داخل المنزل حتى ينهي العمل على النظام سريعًا.
ينتهي المشهد الأول من الفيلم بانتحار هيروكي لسبب نكتشفه مع سياق الأحداث، لكنه قبل انتحاره أرسل برنامج تعقب الحمض النووي لوالده الحقيقي ثم سرّب العقل الالكتروني الهائل “فلك نوح” عبر خطوط الهاتف، وبهذه الحركة يستطيع هذا النظام أن يكون موصولًا بأي جهاز الكتروني يستخدم البيانات ويخترقه بسهوله، وهذا ما حدث مع لعبة “كوكون حين اخترقها نظام “فلك نوح” عبر حاسوب المطور الرئيسي لـلكوكون وينكشف لنا في النهاية أنه والد هيروكي الحقيقي ” كاشيمورا”

جريمة القتل ومجرياتها كانت حزينة من ناحية موت “كاشيمورا” الذي بدا لي فهيمًا ورزينًا ولديه هالة تشبه خاصة يوساكو بطريقة ما، أما بالنسبة للقاتل لا يمثل دافعه تبريرًا إلا الخوف والجشع. وفيما يخص سلاح الجريمة فهذه إحدى الملاحظات الرائعة في الفيلم، خنجر يعود لجاك السفاح، خنجر تلبست فيه شر النوايا وأفتكها، تتوارثه سلالته التي انتهت بتوماس شندلر حيث اقتفى أثرها هيروكي واخترع برنامج الحمض النووي ليعرفها.. وللحق، أيقونات الأسلحة في جرائم المحقق كونان لطالما كانت تبهرني باستثنائيتها وجزئيتها في الجريمة.

الفكرة الهادفة
ظهور يوساكو كودو في الفيلم رائع بل مثالي لمقامه، وفكرة اشتراكه مع كاشيمورا في تطوير اللعبة كانت منطقية فيما يخص جزئية لندن في القرن التاسع عشر، صرح يوساكو بأنه تحرى بشأن دافع انتحار هيروكي، وأفشى عن حقيقة واقعية تتعلق ببلاد اليابان، بأنها ” لاتدعم التعلم الذاتي” وهذه إحدى رسائل الفيلم وأهدافه الغير مباشرة، عرضت في الفيلم كذريعة تسلسلية أدت في النهاية إلى انتحار طفل.. لا اعلم إن كان “التعلم الذاتي” يعتبر مشكلة حقيقية في اليابان لأني لا أرى فيها بأسًا شديدًا، لكن تطرق المؤلف إليها يظهر أهميتها بطريقة ما.