Posted on 2025

·+˚🖇️✩+˚🎧⊹♡
في ليلةٍ يرسمها القمر بضوء شمسنا الغاربة، تحكي نافذتي أسرارًا قديمة تغنيها الرياح، مشفرةً بتغريد عصفور، أو هديل حمامةٍ تنتظر إشراق الصباح لتوقظنا.
ربما مايجعل طعم الحياة طيبًا كل يوم، أو بالأحرى مستساغًا لمن يكره الأيام؛ هو أنها متصلة بالروح. والروح شيءُ لا نملكه، أعلى من النفس والإنسان، وأعلى من الشعور والتصور.
لكلّ إنسان قنديلُ يدفئه ويضيء عتمته، قابعُ في روحه بين ضلوعه وأوردته، وما يبقي القنديل مضاءُ هو قلبه الذي يحب الحياة، أو يحب شيئًا فيها على الأقل. تقول أسرار الرياح أن الصبر لا يكفي للعيش والمكابدة، وأنه أقل مراتب الكفاح التي يتقوى بها أيُ منا، الصبر يهب قوة للإستمرار، والمجاهدة، ويظل الإنسان معلقاُ بما يكره وبما يحب حتى لا يفقد ماهو أسوأ.
لكن هل تساءلت مالذي يفوقُ الصبر؟ تهمس الأسرار أن ' الرضا ' هو ضالّة الحكماء و زادُ جوهريّ تعب القدماء في التنقيب عنه، نادرُ ومخفيّ تحت المواجع، والسرّ أنهم حين يجدوه، تَتخففّ أرواحهم كأنها نسمة.
أتذكرُ في آنٍ مضى طعمَ الرّضا حين ذقتُه أول مرة؛ جعل الحياة في نظري كأنها ثوانٍ غيبية من فوح الجنة، كأن قلبي يطفو فوق الأيام، كأني أشعر بالروح تتجلى فوق النفس والهوى والدنيا. كنت أتخبط مرحاً في لجّة الحمد والإبتهال، ولا تتَبدى لي الأحزان شيئًا كأنها نَفَسُ عالق يتلاشى بمجرّد زفرة عميقة. كل من ذاق الرِّضا لا ينساه، ولا ينسى وطْأة الفرَح التي تكبُر كل يومٍ معه. لكن أتعلمُ مايفوق الرضا أيضًا؟ لا زالت الأسرارُ التي تهمِسها أنغام المساء تتوالى تحت البدر ومهرجان النجوم الذي يُزخرف نافذتي، وتقولُ أخيرًا؛ أن ما يَعلو الرضا، ويجعل الإنسان يتملّص من الدنيا كأنها صندوقُ حليّ يغلقها متى شاء، أو كفراشةٌ زاهية تتراقص في حقلِ الربيع كأنها تملك كل أزهار البساتين. أو كشجرةِ كرزٍ عتيقة لا تنفكّ أغصانها عن الازدهار رغم غلظة السنين وقحط الأرض. وظللت أفكرُ في وجداني.. مايكون أعلى من الرّضا؟ مالذي يجعلني أنسى الدنيا رغم كَدرِها وأوجاعها على قلبي؟ وكيف أحبها حين تقْسو وتشْتو وتؤذي كل احساس جميلٍ في نفسي؟ مالذي أكثر أكتمالًا من سكون الرّضا ودافعية الصّبر؟ أفَل البدر بعيدًا عن مرأى نافذتي، وهدأتْ همَسات الرياح، كأنها تتلاشى بالإجابة إلى حينٍ آخر.. لكني في ظّل هذه التساؤلات نسيتُ نفسي ومحيطي، وصحى ذهني على آية يرتّلها المنشاوي بصوتٍ يذكّرني بقَداسةَ غارِ حراء، يدْوي في مذياعِ طاولتي كرِسالةٍ زمنيّة من وقت بعيد، تزورني في آن السّحَر، كإجابةٍ تختم أفكاري المُتتابعةُ كالنهر، يقول فيها: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدْ)