Posted on 14 2021

بدرٌ يودّع بيته في قرطبة
عندما كنت في الحادية عشر، توقظني في الضحى قهوة جدتي حين تبدأ طقوسها التلفزيونية على قناة “المجد” ، كانت تشاهد أعمالًا ثقيلة الطينة و غير مستساغة لطفلة لا تزال تستكمل حلقات “ون بيس” بحماس يتدفق كالينبوع كل يوم.
أتذكر من تلك المسلسلات التي تُعرض آنذاك لغةً فصحوية قوية، و وجوهًا قديمة بذاتها، رجالًا مسنين بلحاهم البيضاء بملابسهم العتيقة المظهر، معارك طاحنة و صهيل أحصنة و بيوت أثرية… و الآن أحاور نفسي، هل تجاهلت هذه الأعمال في صغري عمدًا؟ أم انتظرتها حتى أنتهز روعتها في عمري هذا؟ و في كلتا الحالتين، أحب الإجابة جدًا.
محبتي للأندلس تستحق تدوينة خاصة لا ريب، لكن لهذه السلسلة نصيب من مشاعري بالتأكيد.. لطالما أحببت أن أقرأ عن الأندلس و تاريخها، لا تزال أغوار هذا القلب تطول عمقًا كلما قرأت.
لقبّت نفسي مرةً :” أندلسية الهوى ” إثر كل هذا التيم بها الذي يسري فيني سريان المهجة، و هي في اللغة: “دم القلب و الروح” .
الأغنيات و القصائد و القصص و النثريات التي قيلت فيها؛ كلها ناجمة عن بحر هواها الذي غرق فيه القائل و الناهل.. هذه الأندلس التي عشناها خيالًا و استذكاراً قد قالها عنّا ابن الخطيب ببلاغة تذوقتها كل حواسي أحاسيسي:
بالعودة إلى عنوان التدوينة… البدر الآفل أشير به إلى خاتمة السلسلة التي تألقت تألق شرارةٍ لا تشع إلا لتتلاشى في لحظتها. يؤسفني فقدان التتمة، و لربما في هذا نوعٌ من الحكمة في أن الأندلس لم تنتهِ حقًا… إنما نزلت بجغرافيتها و معمارها و تاريخها نُزُل القلوب و دفاتر الذاكرة، محفوظة كما يُحفظ الألماس في كيان الصخر…
<aside> 🌴
**يا زمان الوصلِ بالأندلسِ
لم يكن وصلكِ إلا حُلُما
♪**
</aside>



<aside>
**” نحملها معنا، فإن لم نكن فيها فهي فينا “**
</aside>
” نحملها معنا، فإن لم نكن فيها فهي فينا “ قالها عبد الرحمن الداخل وهو يودع الشام مرتحلًا إلى المتبغى؛ الأندلس.
لم يجتذبني في هذا الجزء سوى مشاهد خراسان و صداقة الخليفة و خادمه بدر العريقة، كان مبتدأ ًحلوًا في مغامرات البطلين و مُرًّا بالآلام و فقدان الأحبة، و لن أنكر في قولي أن صقر قريش كان بذاته الجسر الذي عبرته جريًا نحو ربيع قرطبة، فقد كنت متشوقة لمدى إنهائي الجزء الأول في ثلاثة أيام أو أقل.
في صقر قريش الكثير من المشاهد الهزلية التي أربكت ثقل المجريات وطأة السيناريو مثل هذه : xd
https://videopress.com/v/8rS1tp5m
https://videopress.com/v/eAdHAiGZ
https://videopress.com/v/qjJBjAKM
أحببت سيرورة الأحداث و الحِكَم المتمثلة في طرقاتها و تحولاتها، و الكيفية التي وطّدت الصحبة بين شخصين متباعدين مقامًا متقاربيْن قلوبًا، متشابهين في الطبع فترى بدرًا يقود عبد الرحمن من حيث كان عبد الرحمن يقودهُ بذاته و مكانته، يسموان للصدد نفسه و تترتب كل السبل لأجل أي يبلغاه، في صداقتهما اندَرَسَت كل مفاهيم الطبقية و القبلية، و امتزجت فيهما صدق المودة و ربطهما طول العشرة
<aside>
**” أي شيءٍ أشبه بالمرأة من الصحراء؟ “**
</aside>
الخادم بدر واحدة من أفضل الشخصيات التي قدمها الممثل محمد مفتاح، و أرى في أدواره التي مرّت علي صفات تتكرر و تجتمع في كل شخصية مثّلها؛ الحكمة و الفطنة و الودّ. .
من خلال المجريات، لولا صحبة بدرٍ لكان مآل عبد الرحمن الفناء، فلقد شهدنا ما شهدنا عندما ينقذه من ورطاته بسرعة بديهته و يقظته، بل إنه ليجعلها تندرج تحت مصلحته في كل مرة يقع مولاه في المضائق، و هذه خديعة الحاذق؛ يكسب بها ثقة الصديق و ثقة العدو.
أحببت زوجه زينب، أحلى امرأة علي في هذه السلسلة! لا تستكثر الهزل فنمل منه و لا تستطيل النقد و التدقيق فنفر منه، لكنها بين هذا و ذاك تنصح فيما يستوجب النصح و التنذير، و في كلماتها تنبيه للشارد و الغافل، لا أنسى لها مشهدها الذي تجادلت فيه مع بدرٍ حين أعفاه السلطان من منصبه، كانت من أجمل الدرر في سلسلة الأندلس كاملةً.!
أما عبد الرحمن، باستثناء جهوده الجبارة، فهو عاطفي النزعة تغلب عليه صفة الحزم و الحنوّة، لكنه في ذلك فقد بعد النظر و النباهة.. لا أعلم عن أحكام السياسية ما يخولني أن أسهب فيها، لكن التفريط الذي بلغه عبد الرحمن في علاقاته و مكانته في قلوب أحبابه أمر يدعو للنقد، هل كانت هذه صفة نائمة في شخصيته قد استيقظت حين أصبح شكّاكًا في الصغائر على تفاهتها؟ أم أنها أمانة السلطان على ورثة نسله؟ أم هو الزمان شيّب قلبه قبل جسده؟
في نهايات العمل أصبحت شخصية عبد الرحمن “وداعية” في كل حركة تبدر منه و كل قول ينسل من لسانه.. آض يختلي و يتخلّى، مشتاقًا إلى ذكرى قابعة في روحه يتمسك بها تمسك الغريق بالماء، لا يفتأ يحنّ حتى ينتشل نفسه من نفسه، إنه بطريقة ما، تحول وحيدًا مسجونًا داخل ماضيه، يرى في ذاته انعكاس نخلة فريدة ثقفها في رصافة أندَلسِه،

<aside> 🌴
تبدَّتْ لنا وسْطَ الرُّصافة نخلةٌ تناءتْ بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ فقلتُ شبيهي في التغرُّب والنوى وطولِ الـتَّنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبةٌ فمثلُكِ في الإقصاءِ والمُنْتأى مثلي
</aside>
أما عن الشخصيات، كان للوزير ” الصميل ” دورًا ماتعًا و هزليًا، مع أنه لا يهتم سوى بمصلحته إلا أن في ذلك دهاء فطري وجذري، يقِظ و فيه من الحكمة ما يقنع المحاوِر مهما دافع و استدفع، مؤسف كيف كان فناؤه.
أما الحاكم “الفهري”… لا أخفي انحيازي لمعتقداته في بادئ الأمر، لكن ما إن استحال سلطانًا للأندلس حتى اشمأزّت نفسي منه! أحاول قدر المستطاع ألا أقحم العامية وسط حديثي لكن يا إلهي كم أزعجني!! أصبح مجرد عجوز خرف! كيف يفرط بفلذات كبده لأجل حكمٍ قد يسبقه موته إليه؟! عجيب أمره و عناده المستمر!




أما الجانب العباسي من القصة، فقد كان مخيفًا و هائلًا في رمزياته القاتمة المستبدة، العمائم و الرايات السوداء، اللغة الثقيلة الوطء، السفك المستمر للدماء، المفاهيم المغلوطة، الإتباع الأعمى، الخوف المدفون تحت التشبذ بالطاعة… كلها أثرت في احساس المُشاهِد و ذهنيته، عمل مظلوم بل جمهور محروم.
و بالنسبة لمشاهد بلاد فارس! كانت جمالًا بصريًا بكل الصور، أحب ثقافتهم المعمارية التي ينفضح النيل في كل طوبٍ من جدرانها و أرضياتها و أسقفها، وأنا بذلك شديدة الإمتنان لإطناب المخرج في تصوير الملامح الفارسية القديمة التي لا تزال آثارها تتغنى حتى حاضرنا هذا.