Posted on december 2021

🌊⋆。𖦹 °.🐚⋆❀˖°🫧
هذا الجسر المستديم بين أعتاب الطفولة والمشيخ، ماهو إلا رحلة الحالم بينهما، مسافر مقصده تحقيق عبوره الدنيوي، حقيبته الذكريات، رفيقه الحنين، ودربه المضي.يمسي الطفل متشوقًا أن يكبر، وتنقضي سويعات الشيخ في أمنياته أن يعود، أليست هذه بكل إيجاز: حقيقة الحياة؟
ربما يكون “المرور” هو الصفة اللائقة بالشباب، وتحديدًا المرور، لا العبور، لأن المرور من مرارة الاجتياز و التخطي، المحتومة على كل إنسان مآله أن يغدو مقبورًا.
في بيتنا ملامح لون الفيروز تتلبس كل مكان، وكأنه يتبعني حيثما التفت، في بيت عمي القديم؛ كانت العلية مصبوغة بالفيروز، وكنت أعيش هناك حتى بلغت السابعة،
ثم انتقلنا إلى بيت جديد وكانت غرفة الألعاب فيروزية أيضُا، وعندما صعدت مع أختي لأرى غرفتنا سويًا، كان نصفها فيروزي والآخر وردي..
لا أزال أتساءل عن سر هذا اللون، وكأنه يتبع شيئًا ما محفور في قلبي، شيء لا أعرفه، أو لم أعرفه بعد.
ما يجعلني أكتب عن طفولتي بكثرة ليس لأني أتذكرها كما لو كانت عشية الأمس، بل أكتب لأني عرفت، عرفت ماهية مشاعري في الصغر، عرفت مدى انعدام الوعي المغلوب بالعاطفة،عرفت طعم الخيبة في الحلم الغبي أن أكبر، عرفت لماذا كنت استيقظ مبكرًا، ولماذا جدتي كانت تخشع كثيرًا،
ولماذا أبي أحب ابتسامتي في كل مرة يعود من العمل ظهرًا،ولماذا أمي اختارت “طلع البدر علينا” لأن تكون تهويدتي، عرفت لماذا كان ذاك الصباح سلوتي كل يوم، ولماذا أكثر صوري التذكارية كانت مشوشة،لكن لم أكن أعرف أن إجابات أسئلتي في الصغر كانت رهن الزمن، وأنها ستعود إلي بهيئة أقدار مكتوبة..
الفجر في ذلك الزمان لم يكن سريعًا، كنت استيقظ وأرتدي المريول، تسرح أمي شعري ثم أتناول الفطور وأنا أشاهد الحلَقات المعادة على سبيستون، أحدق في عصافير الشجر وأنا أمشي في ميدان الحوش حول التراب، لم أشعر باختلافي عنها، لأن الحقيبة على ظهري أعطتني إحساس الطير بجناحه.
أسمع صوت محرك الحافلة وهي قادمة إلى بيتنا،فلا أفتح الباب إلا حين أسمع زامورها، تنذيرًا مكررًا من أبي، ثم أركب وتنطلق بي نحو متاهات الحي حيث بقية التلميذات حقائبهن أمام الباب،كإعلام للسائق أن ينتظر قدومهن. كل هذا وضفائر الشمس لم تبزغ بعد.مشهد الزرقة القاتمة تلك لم تغادر ذهني قط، وسكينة الحافلة المجرورة بتراتيل الإذاعة و الإضاءة الوحيدة الصفراء عند بابها اليدوي صنعت صورة شعورية راسخة بمغزاها المجهول،
طريق المدرسة كان يشبه كتب الخيال، بدا لي مثل كوخ في غابة عربية سرية، وعندما أسأل عن هذا الطريق، لا أحد يعرفه.كنا نمر بجانب العديد من البيوت الطينية الهزيلة و النخيل المائل بيباسه، وخضرة تحتضن الشارع الترابي المهجور، تستمر الخضرة بالامتداد بقدر إمعاننا في النظر،حتى ينبثق من سكينة المكان مبنى مربع صغير، هنا أشرقت الشمس، ولم تغب طوال 6 سنوات.
لا شيء يشبه طريق السفر إلى بيت جدتي، لا شيء يشبه توقي إلى حنانها وعطف بناتها،ومغامراتهم في صحراء البادية على أطراف البلدة الصغيرة التي تبعد عنا تسعون كيلومترًا تزخرفه مزارع القمح وأفق الغروب.بلدة سبقت البعثة النبوية بثلاثمئة سنة منصرمة،
لها عراقتها وصمودها عبر التاريخ التليد، لكنها رغم هذا، هادئة بسلوة قاطنيها.تجتاح نزهات البراري في طفولتي حيزًا لا ينسى، وفساحة المدى فيها أرسخت في روحي شعور السروح، والحبل الخفي الذي يعزز في هويتي أصالة أسلافنا ويصلني بتقاليدهم.كنا حين تنسدل ستائر الليل نجتمع بعد الأذان حول نار ملتهبه بحسيس السمر ورائحة البن، ويتخذ عمي صدر المجلس ويرتدي هالة شهرزاد لكن بطابع أكثر مهابة وإخافة.
نطرح بعض الأحاجي أحيانًا، ونقص القصص عن أهل البادية السالفين، ونضحك حول أشكالنا المصبوغة بظل القمر حيث تحادث من لا ترى وجهه، وتسمع رشفات الشاي تتوالى كنغمة مجدولة.أحببت كيف كنت أنغمس بينهم، ونسيانهم لي كمسترقِ صغير لا يعي، أحببت شعوري بالآمان حينها، وأني محبوبة، بين أحبابي.