Posted on november 2022

𓍢ִ໋☕️✧˚ ༘ ⋆
على عرش التراكمات التي تلاحقني مدى الأيام، أتكئ محدقة في أفق التعاسة بعينين ناعستين؛ مضى عليهما ست سنوات في غيهب التيَهان، شاردتان بين قطبين.. قلبٍ غافي وعقل مقبور، وكأن روحي امتزجت بسراب الأيام حتى كادت تندفن ولا أشعر بها، وجسدي يتحرك مثل أغنية وحيدة على راديو لا يملك إلا لحنها وتكرارها.
أحدث نفسي كل يوم بهذا المدى من “تعفنها” على ذات الرتم النفسي واللاإنجازي منذ مدة طويلة، رغم تحولات حياتي وقفزاتي الغير متوقعة بالنسبة لي، لكن لم أتحسس أي طعم فيني منذ تخرجت من المتوسطة.. أشعر أني عالقة هناك وكأني أنتظرني في عالم موازي، تخطيت الزمان والمكان على صعيد الكائن،
لكن في سديم الأرواح لا أشعر أني أرافق روحي معي، مالذي جعلها واقفة على تلك العتبة؟ ولم تصاحبني بقية السنوات؟ مالذي نسيته هناك؟ مالسر الغامض؟ مالمفقود؟
ماطريق العودة لها؟ بل ما طريقها للقدوم إلي؟
منذ بلغت السادسة عشر وأنا أهيم في اللامعنى، يوميًا، حتى تلاشى شعوري بالوقت وغاب حس الدقات والساعات مغيباً لم أشهد شروقه بعد، حتى الشمس.. شمس النهار تتسارع مبتلعة معها التغاريد والزرقة والغيمات، والقمر يطلّ خاطفاً محتمياً بالمباني ومحطات البنزين.
في كل مرة أخطو مرحلة جديدة؛ لا أعلم بالتحديد ما إن كنت أكتسب فصلًا جديدة أو أفقد سابقًا، مثل قصيدة مترجمة، هي قصيدة تكتسب معنًا مختلفًا ووجوهاً لغوية فارقة حين تترجم، لكنها في نفس الأوان تفقد كينونتها الخاصة؛ لغتها.
ربما مافقدته حينها كان لغةً ما، لغة تكسبني معنى كل ما أجهله الآن، كل ما أجده مشفرًا لا يفكه سوى هذه اللغة التي يتحتم علي العودة ست سنوات للخلف حتى أعرف ماهيتها،
أو أتقدم ست سنوات للأمام حتى تتجلى هي أمامي، هذه الفجوة الزمنية تخبئ في جوفها مفاتيح روحي، وبصري وبصيرتي واحساسي وحواسي.
في البطء، تكتسب الأشياء رونقها المتلألئ، وطعمها السائغ، وصورتها الحسنة، وصوتها الشجي، وشذاها العطِر،
امتداد الوقت وجه من وجوه الجمال، وسرّ من أسرار الوجود، البطء نملكه ولا يملكنا وهذا باطن معناه، أن اليوم لا ينقضي إلا بإحساسنا به، وأعمالنا خلاله، وتحركاتنا في طياته..
في البطء تنصاغ المحسوسات على مهل، فتظهر في أبهى حللها ومذاقها، كما التمهل الذي يأخذه الشاي حتى يخدر على نار الموقد؛ مذاق البطء يتقلب داخل الإبريق، رشفات بطعم الزمن.
مالذي يجعل أهل البادية أكثر الناس رضاً؟ ربما محدودية خياراتهم أكسبتهم تلك القناعة، و أرخضتهم لها كما رضخت هي لهم، حياة تتأرجح بين خيمة ونار وجمل ورمال، حوائط قماشية يعيدون تنصيبها كلما هدمتها الرياح، وجمال تألفهم أكثر مما يألفونها… لكنهم يتذوقون الأيام كأنهم يعيشونها لأول مرة، ويسيرون مع المواقيت كما تفرض عليهم السماوات، توقظهم الشمس ويمسيهم القمر،
حياة تشبه الحياة بأدق صورها. ولهذا هم يملكون الوقت ونحن لا نملكه، لهذا هم يتباطؤون ونحن نتسارع، هم يعيشون خارج الزمن، حيث البدايات تعيد نفسها كل يوم، يتلذذون الهناء ذاته كل مرة وكأنه جديد عليهم، الفرق هو أنهم لا يعتادون، ولهذا هم يطوفون فوق أنفسهم، بينما نحن تلبسنا العادة حتى أغرقتنا بظلمتها.