2023 فبراير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حال قلبك الساهر في ذكراه؟
استجمعت قوتي الذهنية والجسدية حتى أبدأ هذه التدوينة، حفاظًا على وعد استمراريتي في التدوين قدر المستطاع.
غداً بمشيئة الله أدخل اخر شهر في رحلة الحمل، أو حكاية الحمل؛ كما عشتها وتبينت لي، لا زلت تائه في مفترقات الشعور، أعددت تقريبًا كل ما يلزم طفلي من حاجيات وأغراض، مستعدة بيئيًا لقدومه ومتشوقة بحرارة للقائه، لكني ايضاً خائفة ومتوترة،ولا تفتأ هذه الخوالج بالتضخم في كل مرة أذهب لمواعيدي في المستشفى أرقب الأمهات الجدد والأطفال في عربياتهم، والحوامل المتعباتوالطاقم الفوضوي، دوري قادم كذلك؛ كيف ستكون الحياة عندما أتحسس قلب طفلي بيدي بينما كان ينبض طوال وقته في داخلي؟ كيف سيكون شكله؟ملمسه ولونه؟ حجمه وملامحه؟ رائحته وخفته؟ صدقوا أن هذه كانت مجمل تصوراتي خلال فترة الحمل، 8 أشهر تركت فيها كل جوانب حياتي من دراسة ومشاغل وغيرها وظللت أركز فحسب على فارس؛
نعم. فاجأني زوجي باختياره لهذا الإسم، لم يكن سيئًا لكني لا أفضله على العموم، كانت لدي بعض الأسماء التي دونتها في الملاحظات في سن السادسة عشر – بلا سبب طبعًا –لكني كتبتها حتى لا أنسى جمالها في حال رزقت بولد يوما ما، وهذه مالم أتوقع حدوثه في حياتي أو بالأصح محاولتي في تحقيقه؛ لكنه سبحان الله حدث.سألته لماذا فارس؟ أتذكر أنه قال كان على عهد مع صاحبه المقرب رحمه الله، بأن يسمي كل واحد منهما ابنه على الآخر،أحزنتني قصة موته وشعرت بالأسى ولم أستطع أن أعارضه،
بكل بساطة حزنت لفقده أقرب الأشخاص إليه، تأثرت بقصة الوفاء هذه ورضيت اختياره على كل حال.لو كان الأمر متروكًا لي لكنت اخترت أسماء مثل: مالِك، بلال، سهيل، علاء، ساري، وأخرى أحتفظ بها. عندما استشرت بعضهم أخبروني أنها أسماء ثقيلة ونادرة ولا تناسب “الجيل القادم”وهذه أكثر جملة كرهتها في كل مرة يٌطرح الموضوع، حتى صرت أتحاشى الدخول فيه واكتفي برأيي لنفسي والذي في جميع الحالات لن يتأثر بمقولاتهم.استقرينا على فارس، رغم أني كما قلت لست حريصة على هذا الإسم لكنه أهون من غيره بطبيعة الأمر، والقدر كتب له هذا النداء.
في الأشهر الأولى من حملي كنت في أوج حذري وحيرتي تجاه هذا الجنين، كثير من الأشياء لم تهيئ لي حقيقة أن جسدي ينبض مرتين،فلم يكبر بطني إلا بعد 4 أشهر، ولم أشعر بالثقل بتاتاً خلالها، لم أعرف كيف أنام براحة أو أتحرك بسلاسة أو أنجز أعمالي بالطريقة التي اعتدتها، تأخرت خطواتي وعاداتي وأهملت الكثير من الأشياء اليومية في سبيل أن يكبر سليمًا، بالذات الأشهر الأربع الأولى. لكن هاهي الأيام مرت وكأني لم أقضي السويعات في احتسابها واعتجالها….عانيت كثيراً كأي حامل أخرى،
لا يزال جسدي يألف هذا التعب والإرهاق منذ وعيت هذه المسؤولية ككل، تغير جسديوبهتت بشرتي وذبلت ملامحي، ضعفت ذاكرتي وتشتت ذهني بما فيه الكفاية،نسيت معنى الترفيه وطعم المرح وظللت غارقة في لجة المراحل وتطوراتها، لا يمر يوم دون أن أتساءل بشأنه إن كان لا يزال بخير في الداخل، وهل هو مرتاح أم لا،خوف غير منقطع وتساؤلات متواصلة ملغمة بالشوق والحيرة والأفكار بشتى أشكالها، خلال ثمان أشهر نسيت نفسي، بل لنقل وهبتها لهذا الطفل،إنها مسألة عظيمة حقاً، فهذا فحسب ما جال فيني وهو جنين في رحمي، فكيف به وليداً وطفلاً وفتى وشاب؟ هذا مالم أقدر على اعطائه نصيبه من التفكير، لأني لو فعلت سأنهار حتمًا. تخيفني فكرة التربية في هذا العصر، وادعو دائماً أن يعينني ربي في هذا الصدد.
بكيت كثيرا خلال الحمل، إنها “الهرمونات” كما يقولون، لكن الأسباب من حولي تجعلني مترقرقة الدمع دائماً، هذه الأفكار وهذا التعب الذي لم أعهده وهذا الشتات يكفي بأن يخلق نهراً أجاجًا من الدموع.
لا أعرف بماذا كنت أتوحم، لا زلت اتساءل عما كان بالتحديد، لكني في الشهرين الأولى أدمنت المثلجات، الشوكولا تحديدا، ثم أصبحت أنجذب للموالح والحمضيات مع أني احبها بشكل عام، في الشهر الثالث والرابع أدمنت سلطة الطماطم والخيار والبقدونس، ولا زلت أحبها حامضة ومالحة ومفلفلة قليلاً…
أحببت كذلك سلطة الفواكة وأيضًا بيرة التفاح مع الوجبات الدسمة، فهي تخفف الغثيان وتساعد في علاج التهاب البول أعزكم الله.أحب الحرارة في الأطعمة وهذا ما أخشاه حين يولد فارس، كيف سأفارق الفلفل؟ الذي اعتدت عليه في كل أطعمتي ولا أستسيغ مذاقها بدونه، لا أخفيكم أن هذا الأمر يشغل بالي كثيراً، لكن أتمنى أن يسير على ما يرام وألا يشتد هوسي اتجاهه.
انقطعت عن مشاهدة الكثير من الأشياء خلال هذه الفترة الطويلة، لم تعد المسلسلات أو الأنمي أو حتى الكتب تستهويني، شعرت بأني معلقة في الفراغ واختفى شغفي الأشياء، بقيت فحسب أركز على أعمال البيت والدراسة وبعض الضروريات الإجتماعية، قلت لكم أني نسيت الرفاهية ونسيت طعمها، وحتى لو حاولت الترفيه عن نفسي أجدني أتهرب من الأمر ولا أستسيغه، أشعر بثقل يهيمن علي بأن هذه الأشياء ليست كافية لإيقاظ بهجتي المؤقته..
أصبح التذهيب هو متعتي ورفيقي طوال هذه الشهور، لأنه لا يتطلب جهداً إلا من جلوس مستمر، لكني مع ذلك استطعت تعلم بعض الأشياء،الأساسيات واسماء الزخرفات، طرق الرسم والألوان والفرش وكل مايخص المتعلمين على العموم، لكنه لا يزال بالصعوبة التي تصورتها؛ خصوصا لشخصلا يعرف كيف يبدأ وماهي ركيزة هذا الفن بالأساس، لكني في طور تعلمي ولا زال هناك الكثير بانتظاري لتعلمه.
في الثانوية عندما كنت أرى امرأة حامل في عمري او قريب منه يقشعر بدني، شعور مريب وكأنني أنظر إلى ضحية ما، ضحية عجلة ومصير عشوائي، كيف هي حياتها وهي تحمل بيديها طفل لا يصغرها إلا بضع سنوات؟ كنت أفكر دائمًا في حياة هؤلاء النساء والمصاعب التي يواجهنها في هذا العمر الصغير؛ بالذات جيل التسعينات وما بعدها. لكن حين أصبحت بمثل موضعهن تبين لي كل استفهامي، هذا بالطبع يعتمد على عقلية الشخص ومسؤوليته كأي أمر آخر، لم يكن للعمر أي تأثير منذ البداية؛ كما يحدث معي الآن، يضعنا الله في الصعاب التي تناسبنا، سبحانه لا يظلم مثقال ذرة.
أردت أن أشارككم المقتنيات التي أشتريتها لفارس، الرضاعات والملابس والكماليات وغيرها؛ لكني وضبتها بالفعل داخل حقيبة المستشفى وليست لدي الطاقة الكافية لإخراجها من جديد… لكني اشتريت أشياء تملك سمة لونية متقاربة، أبيض ورمادي وبيج، تهربا من اللون الأزرق الموزع في كل مكان. كان تنسيق هذه الألوان صعباً نوعاً ما لكني استطعت ايجادها عبر بحث طويل، هذه الألوان مفضلة لدي وواثقة من أنها ستبدو جميلة على فارس، أسأل الله أن يقر أعيننا بقدومه سليماً معافى وبأحسن حال.
مر الشهر الثامن وكأنني غريق أنقذه غصن شجرة متدلي على النهر، كان أصعب شهر على الأطلاق، استشعرت فيه كل ثقل الحمل وسوء المزاج والآلام الجسدية باختلافها، بغض النظر عن ثلاثة أشياء أساسية أرهقتني خلال الحمل وهي (الترداد المستمر على الحمام – اكرمكم الله – ) بسبب ضغط الجنين على المثانة، أستيقظ من نومي العميق فقط بسبب كمية قليلة من البول، وحرقة تستمر معي طول الوقت بسببب الضغط، على الرغم من أني أشرب الماء بكثرة لكن لازلت أعاني من هذا.والأمر الثاني هو سوء النوم،
لم أحظى بنوم هانئ منذ حملت، بدءاً من الوضعية الصعبة التي تسلب راحتي وصولاً إلى الساعات القليلة التي أنامها، تخيلوا أني أنام فحسب 5 إلى 6 ساعات في اليوم كاملاً! حاولت علاج الأمر وتعديل نومي فلم أستطع، عانيت الإرهاق والإجهاد بسبب قلة نومي، هالات عيوني منسدلة كالستائر،